الخطيب البغدادي
326
تاريخ بغداد
يوما في مجلس سيف الدولة : لولا أن الآخر جاهل لما رضى أن يدعى بالمتنبي ، لأن متنبي معناه كاذب . ومن رضى أن يدعى بالكذب فهو جاهل ! فقال له : أنا لست أرضى أن أدعى بهذا وإنما يدعوني به من يريد الغض منى ، ولست أقدر على الامتناع . قال لنا التنوخي قال لي أبي : فأما أنا فإني سألته بالأهواز في سنة أربع وخمسين وثلاثمائة عند اجتيازه بها إلى فارس في حديث طويل جرى بيننا عن معنى المتنبي ، لأني أردت أن أسمع منه هل تنبأ أم لا ؟ فأجابني بجواب مغالط لي : وهو أن قال : هذا شئ كان في الحداثة أوجبته الصورة ، فاستحييت أن أستقصي عليه وأمسكت . وقال لي أبو علي بن أبي حامد . قال لي أبي ونحن بحلب : - وقد سمع قوما يحكون عن أبي الطيب المتنبي هذه السورة التي قدمنا ذكرها - لولا جهله أين قوله امض على سننك إلى آخر الكلام . من قول الله تعالى : * ( فاصدع بما تؤمر وأعرض عن المشركين إنا كفيناك المستهزئين ) * [ الحجر 94 ، 95 ] إلى آخر القصة . وهل تتقارب الفصاحة فيهما ، أو يشتبه الكلامان ! ؟ أنشدنا علي بن أيوب القمي قال أنشدنا أبو الطيب المتنبي لنفسه مما قاله في صباه : أبلى الهوى أسفا يوم النوى بدني * وفرق الهجر بين الجفن والوسن روح تردد في مثل الخلال إذا * أطارت الريح عنه الثوب لم يبن كفى بجسمي نحولا أنني رجل * لولا مخاطبتي إياك لم ترن سمعت محمد بن عبيد الله بن توب الأديب يقول : لا أعلم نقل في معنى الإلف أحسن من بيت المتنبي : خلقت الوفا لو رحلت إلى الصبا * لفارقت شيبي موجع القلب باكيا وهذا البيت في القصيدة التي أولها : كفى بك داء أن ترى الموت شافيا * وحسب المنايا أن يكن أمانيا وهي أول قصيدة مدح بها كافور بن معن ، وذلك في سنة ست وأربعين وثلاثمائة . حدثني علي بن أيوب . قال : خرج المتنبي من بغداد إلى فارس ، فمدح عضد الدولة وقام عنده مديدة . ثم رجع يريد بغداد ، فقتل في الطريق القرب من النعمانية في شهر رمضان من سنة أربع وخمسين وثلاثمائة .